نمـــو اللغة العربية و أسبابه :


كانت جزيرة العرب قبل الإسلام تكاد تكون في عزلة عمن حولها وما حولها، كان أهل الجزيرة وبخاصة سكان أواسطها قليلي الاتصال بالأمم المجاورة لهم ، ثم حدث للعرب حادث جليل خطير غير حياتهم تغييرا تاما، ودفع بهم بعيدا خارج جزيرتهم شقا وغربا. ذلك الحادث الجليل الخطير هو الإسلام.

فلما جاء الإسلام وانتشرت الفتوح الإسلامية في الأمم المجاورة كان لهذا الحادث التاريخي آثار شتى من نواح متعددة كانت اللغة ناحية منها. فمن ناحية اللغة نرى أن اللغة العربية انتشرت في البلاد المفتوحة في مصر والشام وشمالي إفريقية والعراق وفارس والهند، وأن أهل هذه الأقطار أخذوا يتكلمون العربية تدريجيا حتى غلبت ما عداها، وبذلك صار المتكلمون بها أضعاف أضعاف ما كان يتكلم بها من عرب الجزيرة.

كذلك كسبت اللغة أن كل قطر من هذه الأقطار غذّى اللغة العربية بكلمات جديدة للدلالة على مسميات لم يكن يعرفها العرب من قبل وهذه الكلمات الجديدة دخلت في اللغة العربية وخضعت لأحكامها وقوانينها ، وقد كان التعريب سببا من أسباب نمو اللغة.
فالعرب بعد الإسلام والفتوح أكثروا من استعمال الكلمات المعربة للتعبير عما استجد في حياتهم مما لا يوجد له في لغتهم ألفاظ للدلالة عليه.

وكان العرب اذا أدخلوا كلمة أعجمية في لغتهم عن طريق التعريب يخضعونها لقوانين اللغة، فتثنى وتجمع ويشتق منها وتتوارد عليها علامات الإعراب وتعرّف بأل وتضاف ويضاف إليها. . إلخ… وقبل ذلك، فقد لجأ العرب إلى التعريب، فاستعمل امرؤ القيس مثلا
"السجنجل" وهي المرآة، واستعمل الأعشى "شهنشاه" أي ملك الملوك. وكان تجار العرب يجلبون السلع والمتاجر ويجلبون أسماءها معها.

وجاء القرآن الكريم، فاستعمل كلمات معربة مثل: زنجبيل وسجين وسلسبيل، كما ورد في الحديث بعض كلمات أجنبية عربت كذلك. ثم نشطت حركة التعريب في العصر العباسي، واشتغل به حتى غير العرب ومن ثم كان التعريب أحد الأسباب التي أدت إلى نمو اللغة.

ومن أسباب نمو اللغة تغيير مدلول الكلمات. فالإسلام أدخل معاني كثيرة لكلمات كثيرة : كصلاة، وزكاة، ومؤمن، ومسلم. فمدلول هذه الكلمات في الجاهلية غيره في الإسلام، فالصلاة مثلا كان مدلولها في الجاهلية الدعاء ثم أصبح مدلولها في الإسلام الحركات والسكنات بأشكال خاصة. وكان مدلول الزكاة في الجاهلية النماء فصار مدلولها في الإسلام إخراج المال في حالة معينة وعلى نحو خاص.


ومن ذلك أيضا ظهور المذاهب المختلفة والفرق الدينية من معتزلة وشيعة ومرجئة وخوارج الخ ، فهذه الفرق كان لكل منها معان خاصة استخدموا ألفاظا للدلالة عليها فغيروا بذلك مدلول هذه الكلمات الأصلي بتحميلها معانيها الخاصة بالإضافة إلى معانيها الأصلية.

وعندما جاء عصر التدوين وبدأ العلماء يدونون العلوم وضعوا لكل علم مصطلحات خاصة أخذوا أكثرها من كلمات عربية الأصل وحوروا مدلولها ، فالعروض ببحوره المختلفة، والنحو بأسمائة المختلفة، والمنطق بما يتصل به من القضية الموضوع والمحمول،
وأصول الفقه والقياس ، كل هذه معان دخلت في اللغة ومعاجمها ولم يكن للعرب الأولين علم بها.

وهكذا كان للإسلام والفتوح الإسلامية وما تبعهما من حضارة سببا في سعة اللغة ونموها وانتشارها. وكما أن الإسلام
قد أحدث أشياء أخرى أثرت على اللغة، منها كثرة تردد الأعاجم على المدينة ومكة، بحكم أن المدينة حاضرة الإسلام،
وأن مكة مقصد المسلمين في الحج.

كما توارد على الجزيرة أعدادا هائلة من العبيد (الرقيق) الذين سكنوا مع سادتهم فكان لا مناص من اختلاط العجم بالعرب
في البيوت وفي المساجد والحج، ومن ذلك تطرق الخلل في لسان العرب وظهر اللحن. وكذلك كان حال العرب في الأمصار الأخرى:
خالط عرب مصر القبط، وعرب الشام الشاميين، وعرب العراق الفرس والنبط، وعرب المغرب العربي سكان شمالي إفريقية وإسبانيا
وهكذا، فدب اللحن إليهم أيضا.

وبالإضافة إلى ما تقدم ، كان مما ساعد على ظهور هذا اللحن أن اللغة العربية لغة معربة، وهذا الإعراب يجعلها من أصعب اللغات ويعرضها بسرعة إلى الفساد ، (والمعربة هي ما تتغير فيها حركات الكلمات تبعا لموقعها من الجملة) ثم فشت ظاهرة اللحن في العصر العباسي (واللحن يعني قول الإعراب الخاطئ، كأن يرفع المنصوب أو ينصب المجرور) وذلك أكثر مما كانت عليه من قبل، بسبب كثرة الاختلاط بين العرب والأعاجم.

وقد أشفق العلماء على اللغة من ظهور اللحن فيها، ورأوا ألا حماية للغة من ذلك إلا بوضع قواعد تحفظها وتصونها من اللحن،
ولذلك نشأ علم اللغة وعلم النحو.